الأرمن في مصر.. حكاية مجتمع صغير صنع ملامح النهضة الطباعية والصناعية

في تاريخ مصر الحديث، يظل حضور الأرمن علامة مضيئة في سجل الأقليات التي اندمجت في النسيج الوطني وأسهمت في نهضة البلاد الفكرية والصناعية والفنية، فهؤلاء القادمون من جبال أرمينيا، الذين عرفوا بحبهم للعمل وإتقانهم الحرفي، لم يكونوا مجرد مهاجرين أو ضيوف عابرين، بل صاروا جزءًا أصيلًا من وجدان مصر وثقافتها.

 

جذور الأرمن في مصر

 

منذ العهد الفاطمي، لعب الأرمن دورًا مهمًا في الحياة السياسية والعمرانية، إذ تولوا مناصب رفيعة في الدولة، وكان من بينهم القادة والمهندسون الذين ساهموا في بناء معالم القاهرة القديمة، وتروى حكايات عن أن بعض الأبواب التاريخية للعاصمة مثل باب زويلة وباب الفتوح، صممها مهندسون أرمن عرفوا بدقتهم المعمارية وبصمتهم الفنية المميزة.

 

ومع مرور القرون، ظل الأرمن جزءًا من المجتمع المصري، اندمجوا فيه وتزاوجوا مع أبنائه، ولم يفكر أغلبهم في العودة إلى وطنهم الأصلي نظرًا للاضطرابات السياسية التي شهدتها أرمينيا آنذاك.

 

محمد علي وبداية النهضة الأرمنية في مصر

 

حين تولى محمد علي باشا الحكم وبدأ مشروعه لتحديث مصر، وجد في الأرمن حلفاء مثاليين في بناء الدولة الحديثة، فتميزوا بالانضباط والمهارة، وأسند إليهم العديد من المناصب المهمة.

 

من أبرز الشخصيات الأرمنية التي تركت بصمتها في هذا العصر:

 

بوغوص يوسفيان: أول وزير للتجارة والخارجية في عهد محمد علي.

نوبار باشا: أول رئيس وزراء لمصر، وأحد أبرز رجال الدولة في القرن التاسع عشر.

يوسف حكاكيان: من رواد تطوير التعليم الحديث.

بوغوص نوبار باشا: مدير سكك حديد مصر ومؤسس الاتحاد الخيري الأرمني.

 

كان هؤلاء الرجال يمثلون الجيل الذي ساهم في بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة، بروح انتماء صادقة وعمل متقن.

 

الأرمن وصناعة الدقة والإبداع

 

امتاز الأرمن بحرفية نادرة جعلتهم روادًا في الصناعات الدقيقة، من صياغة الحلي والمجوهرات وتركيب الماس، إلى صناعة القوالب والأحذية والآلات الموسيقية، كان التعليم المهني لديهم مقدسًا، ففضلوا إتقان الحرفة على التحصيل الأكاديمي النظري، ما جعلهم من أمهر الصناع في مصر.

 

ومن بين الأسماء البارزة في هذا المجال بيزنت ميناسيان، صانع عملة العشرة قروش في عهد الملك فاروق، وآرام نيرجفنيان الذي اشتهر بنقوشه على الأواني المعدنية، وكانت منتجاته تزين القصور الملكية، كما اشتهر تلميذه فريج بلاديان الذي نفذ نقوشًا فنية قدمها رؤساء مصر كهدايا رسمية لضيوف الدولة.

 

ريادة الأرمن في فن الزنكوجراف

 

يعد الأرمن الرواد الحقيقيين لفن الزنكوغراف في مصر، وهو الفن الذي مثل ثورة في عالم الطباعة قبل ظهور الأوفست.

أسس الأرمني كارابيت أراكليان أول ورشة زنكوجراف في القاهرة عام 1907، ومن بعدها توالت الورش الأرمنية الشهيرة مثل “آرام بربريان”، و“فنديان”، و“طوروس”، و“فاردان تاكسيان”.

 

وقد تعاونت هذه الورش مع أعرق المؤسسات الصحفية مثل روز اليوسف والمصور، حيث احتكرت تنفيذ الكليشيهات للمجلات الكبرى، وتفوقت تقنيًا على الأقسام الفنية داخل تلك المطابع.

 

ومن أبرز الفنانين الذين خلدوا أسماءهم في ذاكرة المهنة همبرسوم جبرائيل يالمنزيان، الذي عمل في الأهرام لأربعة عقود، وامتاز بقدرته الفائقة على استخراج الكليشيهات من الصور الباهتة وإعادة الحياة إليها بمهارة فنية نادرة.

 

وفي مؤسسة أخبار اليوم، تولى خاتشاتوريان إدارة ورشة الزنكوجراف منذ تأسيسها عام 1945، وكان يعمل بدقة متناهية لا تتجاوز ساعات قليلة يوميًا، حتى تم تأميم الورشة في الستينيات، فغادر مصر مع موجة الهجرة الكبرى للأرمن.

 

أفول الحرفة وبداية التغير

 

مع صدور قرارات التأميم والتمصير في ستينيات القرن الماضي، هاجر عدد كبير من الأرمن، ما أدى إلى تراجع مستوى مهنة الزنكوجراف التي كانت مزدهرة بفضلهم، ومع تطور الطباعة الحديثة وظهور الأوفست، انتهى عصر الحفر اليدوي الذي تميزوا فيه، وبذلك طويت صفحة من صفحات الإبداع الأرمني في مصر.

 

تاريخ الطباعة الأرمنية لم يبدأ في مصر فحسب، بل سبقها بزمن طويل، إذ ازدهرت المطابع الأرمنية في أرمينيا والشتات منذ القرن السابع عشر، وكان هدفها الحفاظ على الهوية اللغوية والثقافية عبر نشر الكتب الدينية والأدبية.

 

وفي مصر، ترك الأرمن أثرًا خالدًا لا يمكن تجاهله، فقد ساهموا في تأسيس صناعة الطباعة والمجوهرات، وشاركوا في بناء النهضة الثقافية والصناعية، وكانوا نموذجًا للتنوع الخلاق الذي أغنى المجتمع المصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى